من تحت قبة البرلمان … القهر يعبر للشعب السوداني !

نشر في : 27  ديسمبر  2010
التعليقات 0
Share

عبدالقادر محمد – 27 ديسمبر 2009

أجاز المجلس الوطني في  جلسته ليوم الأحد 20 ديسمبر 2009 م ، قانون الأمن الوطني الذي يجيز لجهاز الأمن سلطة القبض والاعتقال والتفتيش وحجر الأموال ومصادرتها، وأجيز القانون علي الرغم من اعتراضات  أكثر من ثلثي نواب البرلمان ، وانسحاب خمس كُتَل برلمانية من جلسة المجلس ، احتجاجاً علي تمرير قانون الأمن المتعارض مع الدستور.

وقبل بداية القراءة الاخيرة للقانون انسحبت كُتل التجمع الوطني الديمقراطي ، وسلام دارفور ، ونواب الشرق ومؤتمر البجا ، ونواب الجنوب احتجاجاً علي تمرير القانون الذي يتعارض مع الدستور ويعطي جهاز الامن صلاحيات واسعة تتنافي مع اتفاق السلام الشامل ودستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، بينما صوت نواب الحركة الشعبية ضد القانون.

** وضعية جهاز الأمن بالدستور :
تنص المادة  (151) من الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2005 م ، علي : (1) يُنشأ جهاز للأمن الوطني يختص بالأمن الخارجي والداخلي، ويحدد القانون رسالته وواجباته ومهامه وشروط خدمته.(2) تكون خدمة جهاز الأمن الوطني ممثلة لكل أهل السودان وبوجهٍ خاصٍ يُمثل فيها جنوب السودان تمثيلاً عادلاً. (3) تكون خدمة الأمن الوطني خدمةً مهنيةً وتركز في مهامها على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للسلطات المعنية.

بهذا النص القاطع حدد الدستور مهام وصلاحيات جهاز الامن والمخابرات ، إلا  ان القانون الذي مرره المجلس الوطني ظهر الاحد الماضي يتناقض تماماً مع بنود الدستور ويعطي جهاز الأمن صلاحيات تتعدي تلك المنصوص عليها في الدستور ، ويجيز سلطة القبض والاعتقال والتفتيش وحجز الأموال ومصادرتها.

** رفض واسع للقانون :
وأكدت الكتل البرلمانية الخمسة التي انسحبت من الجلسة رفضها لقانون الأمن جملة وتفصيلا ، وقالت في بيان لها ان القانون جاء مخالفاً لنصوص الدستور الانتقالي في المادة (151- 3) التي تحدد مهام وصلاحيات جهاز الامن ، وأوضح البيان ان القانون يعطي حصانات مطلقة لمنسوبي جهاز الأمن والمتعاونون معه الأمر الذي يحول دون مساءلتهم أو محاكمتهم عند ارتكابهم اي جرائم في حق المواطنين، وذكر البيان – الذي جاء ممهوراً بتوقيع خمس كتل برلمانية – ان القانون يمنح اختصاصات واسعة لافراد جهاز الامن في حالات القبض والاعتقال والتفتيش ، والحجز ومصادرة الأموال والممتلكات دون وجود رقابة قضائية او برلمانية .

وقال ممثل كتلة سلام دارفور الاستاذ علي حسين دوسة لـ(الميدان ) عقب انسحابه كتلته من جلسة مناقشة قانون الامن : ” انسحبنا من هذه الجلسة لأن القانون لم يأخذ الوقت الكافي للتشاور” ، واضاف دوسة ان القانون مخالف للدستور واتفاق السلام الشامل واتفاقية أبوجا ، وقال : ” نرفض الحصانات التي خولت لمنسوبي الجهاز ارتكاب جرائم في دارفور وحالت دون  وصول يد العدالة اليهم”، واتهم دوسة جهاز الامن بإطالة أمد الحرب في دارفور بتفتيت الحركات المسلحة وتمزيقها وطالب بأن يقتصر دور جهاز الامن في جمع المعلومات وتحليلها  ويجب ان يكون جهاز قومي التكوين.

من جانبه قال الاستاذ احمد عيسي سليمان رئيس لجنة الاعلام بالمجلس الوطني في حديث لـ (الميدان) : ان اعتراض الحركة الشعبية الاساسي علي قانون الأمن في قضية جوهرية تتمثل في سلطات أفراد الجهاز وقال ان هذه الصلاحيات والسلطات محددة بموجب الدستور ، لكن القانون الآن هو اعطي سلطات واسعة تتضمن القبض والتفتيش وحجز الاموال ومصادرتها بجانب ان القانون يعطي حصانات لأعضاء الجهاز والمتعاونين معه من المساءلة القضائية وهذا مخالف لنص الدستور واتفاق السلام الشامل.

** إنسحاب خمس كُتل من الجلسة :
وعقب انسحابها من الجلسة عقدت كتل: التجمع الوطني الديمقراطي ، والحركة الشعبية  لتحرير السودان ، ونواب الشرق  ومؤتمر البجا ، وسلام دارفور، ونواب الجنوب مؤتمراً صحفياً اكدت فيه رفضها القاطع لقانون الأمن الوطني وتلا  رئيس الكتلة البرلمانية لنواب التجمع الوطني الديمقراطي مولانا حسن أبو سبيب بيان مشترك للكتل الخمسة المنسحبة من الجلسة وأكد علي رفض كل هذه الكتل لقانون الأمن.

وعن كتلة نواب الشرق ومؤتمر البجا أكد الاستاذ عبد الله موسي رفض الكتلة للقانون ، وقال : ” اتخذنا موقفنا من هذا القانون وقررنا المقاطعة بناء علي الاسباب الواردة في البيان المشترك”،  وقال بعد مشاورات وجدنا ان الموقف السليم هو المقاطعة  جملة وتفصيلا والرفض القاطع للقانون والانسحاب من الجلسة ، وقال ان الحصانات الواردة بالقانون الممنوحة لأفراد الجهاز بموجب هذا القانون هي اقرب لتلك التي كان يتضمنها القانون القديم ، واستنكر موسي اعطاء حصانات للمتعاونين مع الجهاز ، واضاف : ” هذه الحصانات منعت مرتكبي جريمة 20 يناير في بورتسودان من وصول العدالة اليهم” واضاف ” ومن المؤكد أن  تحول الحصانات بين العدالة و مجرمين جدد “.

من جانبه أكد  رئيس كتلة نواب الحركة الشعبية بالانابة الاستاذ  توماس واني  رفض الحركة الشعبية للقانون ، وقال : ” ان اي قانون يجاز عبر هذا المجلس يجب ان يمثل الشعب السوداني ” ،  وأمَّن علي الاسباب الواردة في البيان المشترك للكتل البرلمانية الخمسة ، مضيفاً  : ” نرفض وضع نائبين لرئيس الجهاز” ، وأردف : ” ان القانون بشكله الحالي غير متسق مع الدستور ومناقض لاتفاق السلام  ، ونحن نرفض هذا القانون جملة وتفصيلاً ” ،  وقال ان هذا هو موقف الحركة الشعبية  وأضاف : “موقفنا الثابت نحن  ضد هذا القانون  نحن لسنا مسئولين عنه “.

رئيس نواب الحزب الشيوعي بالبرلمان ، الاستاذ سليمان حامد  الحاج ، ذكِّر المؤتمرين بقانون التجمع البديل، وقال : ” نحن  قدمنا قانون بديل ولم يتم  ايداعه للمجلس أو تقديمه للمناقشة ، لذلك نحن انسحبنا من الجلسة “، وأوضح ان كتلتي التجمع والشيوعي  انهم انسحبتا منذ الجلسة الاولي ، مضيفاً ” انسحابنا اليوم  ليس فيه  جديد  ولكن فيه تجديد  لموقف سابق” ،، وأضاف:” نؤكد مرة اخري بأن هذا القانون – في واقع الامر – لا يُمثِّل سوى المؤتمر الوطني والمتوالين معه” مردفاً بالقول :”  نحن لا نتحمل مسئولية هذا القانون “.

وقال حامد إن الدخول والتصويت علي هذا القانون اشتراك في تصويت علي شئ يدوس علي الدستور  وسيادة حكم القانون  واضاف : ” انسحبنا لأن القانون يخرق الدستور” .
ووصف رئيس كتلة  سلام دارفور بالبرلمان ، الدكتورالريح محمود، قانون الأمن بالقانون المجحف والذي لا يحترم الحقوق والحريات العامة  ، وقال :” نحن ضد هذا القانون وضد اي قانون لا يخدم مصالح الشعب الشعب السوداني لأننا نحن في البرلمان لخدمة الشعب ولا نقبل باي قانون ينتهك حقوق الشعب السودني”.
وقالت ممثلة كتلة نواب الجنوب ، الأستاذة مارغريت صموئيل إن القانون لايتوائم مع الدستور ولا مع إتفاقية السلام الشامل، وأردفت بالقول : ” كنا نأمل أن ياتي قانون الأمن قانوناً يحترم الحقوق والحريات “،، ,واكدت رفض كتلتها لقانون الأمن، وقالت : ” نرفض   كل  المواد التي تتحث عن الحصانات   وتجيز سلطة الاعتقال والحبس  لان مهمة جهاز الأمن محددة بالدستور ، وأي تجاوز للدستور مرفوض” .
وجددت رفضها لسلطة الاعتقال والقبض ، قائلةً: ” لا نوافق  علي سلطة  الاعتقال والقبض غير المشروع ” ، مضيفةً : ” القبض تقوم به النيابة ، ويتم بطرق شرعية “.

وقالت صموئيل كنا نأمل ان تكون الحصانة حصانة موضوعية  ومحددة وغير مطلقة ، مؤكدةً : ” كل هذه البنود لا تتوائم مع الدستور ، ولذلك نحن نرفض القانون”.

** انتقاد دولي لقانون الأمن :
وكانت جهات دولية عديدة انتقدت قانون الأمن وطالبت بإصلاحه حتي يتوائم مع الدستور و قالت هيومن رايتس ووتش  إن تقريراً صدر عن لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان في 5 نوفمبر ، يكشف عن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في دافور، ويلقي الضوء على الحاجة لإصلاح قانون الأمن الوطني القمعي على وجه السرعة.  وفريق الخبراء،قد خلص في تقريره السادس خلال 4 أعوام، إلى أن الحكومة السودانية وجماعات المتمردين انتهكوا الحظر المفروض من قبل قوات الأمم المتحدة على الأسلحة، كما خرقوا القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان. كما وصف التقرير هجمات الحكومة السودانية وقوات المتمردين على المدنيين خلال عامي 2008 و2009، مُركزاً على انتشار العنف الجنسي والعنف ضد المرأة من قبل جنود الحكومة السودانية والميليشيات. ووصف التقرير وجود نمط من الاعتقالات التعسفية والاحتجاز والإيذاء الجسدي، وتعذيب الناشطين الدارفوريين على أيدي مسئولين أمنيين من الحكومة السودانية.

وقالت جورجيت غانيون ، مديرة قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “إذا أردنا للانتخابات السودانية المزمع إجراؤها في أبريل القادم، أن تكون حرة ونزيهة، فعلى السودان إصلاح هذا القانون على الفور”. وأضافت: “كان قانون الأمن الوطني على مدى سنوات أداة لقمع الدولة”.

القانون السابق لقوات الأمن الوطني، الصادر عام 1999، يتيح لأفراد جهاز المخابرات والأمن الوطني اعتقال واحتجاز المواطنين من دون توجيه اتهام إليهم، لمدة أقصاها تسعة أشهر، ودون مراجعة قضائية لمدة ستة أشهر. كما يمنحهم صلاحيات واسعة للتفتيش والمصادرة، ويحصنهم ضد الملاحقة القضائية جراء إساءاتهم في معرض ممارساتهم التعسفية. وأبقي القانون الجديد الذي أجازه المجلس أمس الأول نفس الصلاحيات تقريباً لافراد جهاز الامن.

وقد دعت هيومن رايتس ووتش المشرعين السودانيين للحد من الصلاحيات الواسعة للاعتقال والاحتجاز والتفتيش والمصادرة، وإدراج ضمانات حماية لمن يُقبض عليهم، مثل منحهم الحق في الإخطار فوراً بأي اتهام، والحق في المثول أمام القاضي على وجه السرعة، والحق في أن يحاكم المتهمين في غضون فترة زمنية معقولة.

وطالبت غانيون بسن قانون للأمن : ”  يصون الحق في المحاكمة العادلة، كما هو مكفول في الدستور السوداني”، مضيفة: “كذا يجب إسقاط الحصانات القانونية عن منتهكي حقوق الإنسان بحيث يمكن محاسبتهم على جرائمهم”.

وقالت جورجيت غانيون: “ثبت تورط مسؤولي الأمن الوطني منذ فترة طويلة في تجاوزات ضد حقوق الإنسان، يعود هذا في الأغلب لأن قانون الأمن الوطني (1999) يسمح لهم بانتهاك حقوق الإنسان، دون خوف من العقاب”. وأضافت: “على الحكومة أن تصلح ذلك القانون على وجه السرعة، لخلق الظروف الملائمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في العام المقبل”.

قانون لا يحظي بموافقة خمسة كتل برلمانية، ويُواجه برفض المنظمات الحقوقية ، ونقد المجتمع الدولي، فلمصلحة من أُجيز داخل البرلمان ؟؟  ولماذا لا تتم اعادة النظر فيه أو إلغاءه نهائياً.؟؟

 

القسم : ملفات


التعليقات : (0)




ملاحظة: بعد كتابة التعليق سوف تقوم أدارة الموقع بنشر تعليقك , فقط انتظر الرد.