هل آن أوان الجولة الثانية من تفتيت السودان؟

نشر في : 23  إبريل  2012
التعليقات 0
Share

االلواء

بقلم احمد فرحات
هل ستنجح مهمة الاتحاد الافريقي في إعادة إحياء القمة الرئاسية السودانية: البشير ــ سلفاكير، والتي كانت ألغيت بعدما تمَّ تعيين تاريخها في 3 أبريل الجاري، بسبب هجوم جيش دولة جنوب السودان على منطقة هجلينغ الغنية بالنفط، والتابعة سيادياً لدولة الأصل، شمال السودان؟
هذا السؤال يحاول أن يجيب عنه، عَمَلياً، الرئيس السابق لجنوب أفريقيا ثامبو إمبيكي بصفته رئيس لجنة الاتحاد الافريقي المولجة تفعيل الوساطة بين البلدين السودانيين المتحاربين بالحديد والنار، حيث كان زار جوبا عاصمة دولة الجنوب واجتمع برئيسها سلفاكير ميارديت، ثم انطلق فيما بعد إلى الخرطوم ليجتمع بالرئيس عمر البشير. وقد وافق الرئيسان، مبدئياً (بحسب الوسيط) على إعادة استئناف المفاوضات بينهما لوضع حد للنزاعات الدموية على طول الحدود بين البلدين.. علاوة على معالجة الملفات الصعبة الأخرى، من نفطية، وترسيم حدود، وإجراء استفتاء على منطقة أبيي ذات الإحتياطي النفطي الهائل، وكذلك الإقرار بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا الطرفين، وخصوصاً من طرف دولة الجنوب التي تساعد حركات التمرد المسلحة في الشمال، وتحديداً في دارفور وجبال النوبة وجنوب كردفان.
وحتى الآن لم يشر الوسيط امبيكي إلى تاريخ استئناف القمة الثنائية بين رئيسي السودانين الشمالي والجنوبي، وإن كانت الإشتباكات بالأسلحة الثقيلة (وحتى الطيران) قد تجددت بعد ساعات من مغادرته الخرطوم.
وعلى أي حال، وبحسب مصادر إعلامية سودانية، فإن ما فعله ويفعله أمبيكي ولجنته قد يقترب من مصالح البلدين، أو يبتعد عنها، وفق الرؤية التي ينظر إليها كل طرف؛ فالبعض يرى أن أجندة اللجنة هي إفريقية بالكامل، تهدف إلى حلِّ الأزمات السودانية المتعددة لا غير، بعيداً من الأغراض الخفية، بينما يذهب آخرون إلى أن الرجل ولجنته، والاتحاد الإفريقي نفسه فليسوا في المحصلة سوى كومبارس على مسرح القوى الدولية الكبرى التي تضع سيناريوهات استراتيجيات المشهد الدولي بمتغيراته.
وبعيداً من أمبيكي ومهمته، التي يبدو أنها لن تفضي إلى أي حل، لأن الذي ترك ترسيمة الحدود عالقة بين البلدين «ومفخخة» بينابيع النفط، خصوصاً في منطقة أبيي (يقول الجانب الجنوبي أنها جزء لا يتجزأ من أرض جمهوريته، بينما يرى الجانب الشمالي عكس ذلك) إنما كان يريد أن يُبقي على ذرائع الصراع وفتائل الإشتعال قائمة بين الطرفين السودانيين الممتدين على حدود بطول 1800 كيلومتر والمتنازع على الكثير من مناطقها، فضلاً عن تبادل الإتهامات بدعم المتمردين أو الميليشيات على جانبي الحدود.
زيارة حليف لدولة حليفة
وإذا كان الإشتباك العسكري الأخير، والمفتوح حتى الآن، بين البلدين السودانيين، هو الأعنف منذ إعلان الجنوب دولة مستقلة عن الشمال، في يوليو من العام 1911، فإن هذا يعني «أننا مقبلون على حرب لا تنتهي إلا بمزيد من تقسيم دولة الشمال، وحتى دولة الجنوب إلى دويلات طائفية وإتنية ووثنية، تقتتل فيما بينها، ويدمر بعضها بعضاً» على حد تعبير الباحث السوداني المقيم في باريس د. آدم محمد موسى، والذي يضيف: «لا يمكن للمجتمع الدولي أو إسرائيل أن يسمحا أصلاً بوفاق بين السودانيين. هم قسّموا السودان ليجعلوا من قسم منه قاعدة انطلاق مباشرة لضرب منطقة وادي النيل، والسيطرة على قرارها السياسي والإقتصادي والمائي وتغيير التوازنات الإستراتيجية من خلال حصار مصر والقرن الإفريقي والهيمنة المباشرة على البحر الأحمر».
والواقع أن أكثر من باحث ومحلل سياسي يرى في قيام دولة جنوب السودان خطراً مباشراً، ليس على السودان فحسب، وإنما على منطقة حوض النيل بأكملها، وكذلك سائر الدول المحاذية لها. وهو حلم قديم تسعى إليه الدولة العبرية، وبدأت تقطف ثماره الآن من خلال تعاونها العسكري والتقني واللوجستي مع دولة جنوب السودان.
وفي زيارة سلفاكير الأخيرة لإسرائيل كتبت المعلقة الإسرائيلية سارة ديفيز تقول: «حسناً فعل سلفاكير بهذه الزيارة العلنية الأولى والتاريخية لإسرائيل. أنها زيارة حليف لدولة حليفة؛ وعلينا بالتالي واجب النهوض بهذا البلد وفي كل شيء.»
وحتى زعيم حزب الأمة السوداني المعارض، الصادق المهدي، والمعروف بعدائه الشديد لعمر البشير، كان قد حذّر مراراً من «مشاكسات دولة الجنوب التي تأتي ولادتها في سياق تعاني فيه إسرائيل مشكلات وجودية، وعزلة دولية، وتحولات فكرية في الداخل العبري، مثل تبني حزب العمل، على رغم علمانيته، ليهودية الدولة».
وأشار الصادق المهدي «إلى أن إسرائيل لم يعد لها مدد في المنطقة بعد ذهاب حكم الجنرالات في تركيا، وغياب نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.. وعليه فإن جنوب السودان بتركيبته المعادية للعرب والمسلمين، بات هبة سماوية لإسرائيل في هذا التوقيت».
في طور المراهقة السياسية
لكن من جهة أخرى ثمة من يرى أن المعارك الأخيرة بين الشمال والجنوب السودانيين لا تشي باندلاع حرب شاملة بين البلدين «لأن البلدين يمران بطور المراهقة السياسية، وكل طرف يريد إثبات أنه الأقوى والأقدر على الفعل ورد الفعل».. ويضيف الخبير العسكري المصري اللواء حسن بيومي بأنه «مهما حدث بين البلدين، فإن خيار الحرب الشاملة يبقى مستبعداً، لأن الدولتين لا تقدران على خوض حرب جديدة لأسباب معلومة، وفي مقدمتها الوضع الإقتصادي لكل بلد». ويردف قائلاً إن الحركة الشعبية الحاكمة في جنوب السودان تعوّدت استخدام العمل العسكري كوسيلة ضغط قبل كل جولة تفاوض. كما أن حكومة السودان كانت قد أعلنت التعبئة العسكرية العامة قبل وقوع الأحداث بما يشير إلى أنها كانت تتوقع مثل هذا الهجوم.
ويخلص اللواء بيومي مؤكداً أن الجانبين لا يستطيعان حسم خلافاتهما عسكرياً؛ ولذلك نجد أنهما سارعا إلى إرسال وفديهما إلى إديس بابا لمعالجة الأمور والتوصل إلى حلول ممكنة».
وعلى الرغم من ذلك، يظل التصعيد من جانب دولة جنوب السودان مستمراً ضد الشمال. وهذه المرة يتجاوز مسألة النفط والصراع عليه، سواء في أبيي أم في هجلينغ، وكذلك على مستوى استئناف ضخ النفط السوداني الخام من الجنوب لتصديره من مرافىء الشمال مقابل رسوم مرور باهظة جداً كالتي كانت تتقاضاها الخرطوم، بحسب «جوبا» طبعاً، ما دفع هذه الأخيرة إلى توقيف ضخ النفط نهائياً عن الشمال حتى اللحظة.. نقول على الرغم من ذلك.. ثمة أربع حركات تمرد سودانية متمردة على سلطة البشير تتولى دولة الجنوب دعمها عسكرياً بهدف إسقاط نظام الخرطوم هي: «حركة العدل والمساواة» و«حركة تحرير جناح مناوي» و«حركة تحرير جناح عبد الواحد محمد نور» و«جناح الحركة الشعبية في الشمال» التي ينتشر مقاتلوها الآن في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.. وهذا الدعم الجنوبي لهذه الحركات المتمردة على الشمال هو أصل المشكلة، وهو الذي يتناغم مع حملات الخارج على نظام البشير، وخصوصاً من طرف الولايات المتحدة التي أكدت وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون بأن بلادها «تدرس جدياً مسألة مواصلة الضغط على نظام الخرطوم لأنه يسعى إلى تقويض دولة جنوب السودان المستقلة».
وتؤكد صحيفة «واشنطن تايمز» بأن واشنطن لا تزال مواظبة على تقديم دعم مالي سنوي يقدر بمليار دولار لجنوب السودان، تُصرف على تدريب رجال الأمن وتأسيس جيش قادر على حماية الدولة ومصالحها». وإن من مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل أن يتقسّم شمال السودان الحالي، وتقوم دولة دارفور بحسب الباحث الإستراتيجي الأميركي بوب هـ. ديلن الذي يقول: «إن قيام دولة دارفور ضرورة لشعب دارفور ولعموم المكونات الديموغرافية في السودان التي لها حقوق سياسية واقتصادية وثقافية ينبغي أن تتحصّل عليها عاجلاً أم آجلاً».
تسديد فواتير
من جهته يتهم رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير بأن دولة الشمال تسرق نفطه، ليس من عمق بلاده وحسب، وإنما من أبيي وسائر المناطق المتنازع عليها، وأنه لهذا السبب قرر وقف ضخ النفط، على الرغم من أن 89% من اقتصاد دولة الجنوب يقوم على النفط. وهو أمر يدعو للاستغراب ويحتاج غموضه إلى تفسير، تقول أوساط حكومية رسمية في الخرطوم بصدده إن وقف النفط جاء بإملاءات أميركية بهدف الضغط على الصين التي تعتمد بنسبة عالية عليه (270 ألف برميل يومياً وهي من أكبر مستهلكي نفط جنوب السودان) ولديها فيه شراكة مع الجنوب الذي ينبغي أن «ينظف» من كل المصالح غير الأطلسية والإسرائيلية فيه وأولاها المصالح الصينية.
أما التعويض المالي على وقف النفط الجنوبي فيجيء لجوبا من دول الأطلسي نفسه وفي طليعتها الولايات المتحدة التي تتهمها الخرطوم، بالسعي مع إسرائيل، «للوقوف خلف هذا المخطط لمحاصرتها وتجفيف مصادر أموالها عبر دخولها في شراكة مع جوبا لإنشاء خط أنابيب ينقل النفط عبر كينيا إلى الساحل الشرقي».
ويفسر أحد المراقبين ما يدور هناك بأنه يهدف وبشكل أساسي لإخراج الصين من جنوب السودان لمصلحة أميركا وحلفائها، والرأي ذاته يرى أن جوبا باتت تحمل ضغينة تجاه بكين، باعتبارها الداعم الرئيس للخرطوم في فترة الحرب الأهلية، كما أنها تريد أن تسدد فواتير علاقتها المتينة بأميركا وأصدقائها.
مثل هذه المواقف التي تتخذها دولة جنوب السودان لا تدلل على أنها دولة مستقلة تجد أن من مصالحها الطبيعية أن تظل متكاملة مع شمال السودان اقتصادياً وكذلك مع سائر الدول المحيطة بها، نظراً لترابط المصالح اقتصادياً وجغرافياً وتاريخياً وحتى مجتمعياً.
ومع أن دولة شمال السودان اتخذت قراراً بنزع الجنسية عن 500 ألف جنوبي سوداني مقيم في التاسع من إبريل الجاري، وهو قرار خاطىء برأي كثير من المراقبين العرب والأجانب، فإن أغلب هؤلاء قرر البقاء حيث هو، وعدم المغامرة بالإنتقال إلى وطنه في الجنوب، لأنه ببساطة لا يعرف شيئاً يذكر عن هذا الجنوب، الذي قُرر له أن يصير وطناً آخر له.
ثم إن كثيراً من السودانيين، الجنوبيين منهم والشماليين، لا يزال يؤمل بعودة الأمور إلى مجاريها الإعتيادية بين البلدبن، خصوصاً لجهة قيام اقتصاد متكامل، وأمن موحد، وسهولة انتقال بين البلدين.. وبأن دولة الشمال ضرورة موضوعية لدولة الجنوب.. والعكس صحيح، على الأقل في صيغة اتحاد كونفيدرالي كان بدأ الهمس بها من قبل كثير من المثقفين السياسيين، وغير السياسيين، في شقي بلاد السودان.
 كاتب لبناني


التعليقات : (0)




ملاحظة: بعد كتابة التعليق سوف تقوم أدارة الموقع بنشر تعليقك , فقط انتظر الرد.